الشيخ محمد رشيد رضا

172

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

من يحكم يجب عليه أن يعدل وقد أمر اللّه بالعدل في آيات أخرى كقوله ( 16 : 90 إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ الآية وقوله ( 6 : 7 اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى ) وقوله ( 5 : 134 كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ ) ونهى عن الظلم وأوعد عليه في آيات كثيرة ، ولم يذكر لنا حد العدل ولا تفسيره ولم يرد في السنة تفسير له أيضا . والعدل وقف على أمرين ( أحدهما ) أن يعلم الحاكم الحكم الذي شرعه اللّه ليكون الفصل بين الناس به مثال ذلك قوله تعالى ( 5 : 1 يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) فهو يوجب علينا ان نوفي بما نتعاقد عليه وقوله ( 2 : 187 وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ ) الآية وهو قد حرم أكل أموال الناس ورشوة الحكام ، وكذلك ما ورد في السنة المتواترة من أحكامه وقضائه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فيجب على الحاكم تطبيق أحكامه على ما علم من حكم اللّه ورسوله وقد يكون التطبيق ظاهرا وقد يحتاج فيه إلى قياس واستنباط واجهاد للفكر فهذا النوع من العدل معروف عند الناس وانما يذكر لتنبيه الناس وتذكيرهم والركن الثاني للعدل ( هكذا عبر تارة بالنوع وتارة بالركن ) يتألف من أمرين ( أحدهما ) فهم الدعوى من المدعي والجواب من المدعى عليه ليعرف موضوع ما به التنازع والتخاصم بأدلته من الخصمين ( ثانيهما ) استقامة الحاكم وخلوه من الميل إلى أحد الخصمين ومن الهوى بأن يكره أحد الخصمين وان كان لا يميل إلى الآخر ، وهذا المعنى معروف للناس أيضا فكل من ركني العدل معروف ولذلك ذكر اللّه العدل ولم يفسره لأنه معروف بنفسه كالنور ولك وقد فهمت ما قلناه ان تقول العدل عبارة عن إيصال الحق إلى صاحبه من أقرب الطرق اليه ولا يتحقق ذلك الا بإقامة الركنين اللذين بيناهما فكل ما خرج عنهما فهو ظلم . فإذا اخر القاضي النظر في القضية اتباعا لرسوم وعادات لا يتوقف عليها إقامة العدل أو لم يقبل الشهادة لأنها لم تؤد بألفاظ مخصوصة وان تبين بها الحق المراد أو أخر الحكم بعد انتهاء المحاكمة واستيفاء أسبابها هل يكون مقيما للعدل ؟ ( قال الأستاذ هذا في الدرس فضج الحاضرون بقول لا لا ) إذا علمنا هذا وتأملنا في الاحكام التي تجري عندنا اليوم فهل نراها جارية على أصول العدل ( قالوا لا لا ) نجد محاكمنا الشرعية تشترط في توجيه الدعوى وفي شهادة الشهود شروطا